ابن رشد

272

تهافت التهافت

وقد حصل لها التشبه من وجهين : أحدهما : استيفاء كل وضع ممكن له بالنوع وهو المقصود بالقصد الأول . والثاني : ما يترتب على حركته من اختلاف النسب في التثليث والتربيع والمقارنة والمقابلة ، واختلاف الطوالع بالنسبة إلى الأرض ، فيفيض منه الخير على ما تحت فلك القمر وتحصل منه هذه الحوادث كلها ، فهذا وجه استكمال النفس السماوية وكل نفس عاقلة فمتشوقة إلى استكمال بذاتها . قلت : ما حكاه عن الفلاسفة فهو مذهبهم ، أو لازم عن مذهبهم ، أو يمكن أن ينزل القول فيه على مذهبهم ، إلا ما حكاه من أن السماء تطلب بحركتها الأوضاع الجزئية التي لا تتناهى . فإن ما لا نهاية له غير مطلوب إذ كان غير موصول إليه ولم يقله أحد إلا ابن سينا . ومعاندة أبي حامد لهذا القول كافية فيما سيأتي بعد . والذي تقصده السماء عند القوم إنما هي الحركة نفسها بما هي حركة ، وذلك أن كمال الحي بما هو حي هي الحركة ، وإنما لحق السكون هاهنا الحيوان الكائن الفاسد بالعرض ؛ أعني من قبل ضرورة الهيولى ، وذلك أن التعب والكلال إنما يدخل على هذا الحيوان من قبل أنه هيولاني . وأما الحيوان الذي لا يلحقه تعب ولا نصب فواجب أن تكون حياته كلها وكماله في الحركة ، وتشبهه بخالقه هو إفادته الحياة لما هاهنا بالحركة . وليست هذه الحركة عند القوم من أجل ما هاهنا على القصد الأول ؛ أعني بالقصد الأول أن يكون الجرم السماوي إنما خلق من أجل ما هاهنا ، فإن الحركة هو فعله الخاص الذي من أجله وجد . فلو كانت هذه من أجل ما هاهنا على القصد الأول لكان الجرم السماوي إنما خلق من أجل ما هاهنا ، ومحال عندهم أن يخلق الأفضل من أجل الأنقص ، لكن عن الأفضل ولا بد يلزم وجود الأنقص ، كالرئيس مع المرءوس الذي كماله في غير الرئاسة وإنما الرئاسة ظل كماله . وكذلك العناية بما هاهنا هي شبيهة بعناية الرئيس بالمرءوسين الذين لا نجاة لهم ولا وجود إلا بالرئيس ، وبخاصة الرئيس الذي ليس يحتاج في وجوده الأتم الأفضل إلى الرئاسة فضلا عن وجوده . الاعتراض : قال أبو حامد : والاعتراض على هذا هو أن في مقدمات هذا الكلام ما يمكن النزاع فيه ، ولكنا لا نطول به ونعود إلى الغرض الذي عينتموه آخرا ونبطله من وجهين :